الإعلام والطاقة الإيجابية
بقلم: الدكتور سامح عبدالغني
وكيل كلية الإعلام بنين جامعة الأزهر
«الطاقة الإيجابية» هي الوقود الحيوي الذي يُشعل في النفوس جَذوة البذل والعطاء، ويزرع في النفس الشعور بالراحة النفسية حالة القيام بالمهام والأعمال الشاقة والتكليفات المرهقة، وإن امتزجت بتكبد المشاق والأهوال الجسام، والسعي بجد وعزم في سائر الأيام.
و «الطاقة الإيجابية» هي «ترياق الحياة» لمن يشعر بالضيق ويتجرع مرارة اليأس والإحباط، وهي الشريان الذي يسري في الجسد ويملؤه بالنشاط، والأمل، والرغبة في الأداء وتحقيق الإنجاز.
وفي هذا «العصر الرقمي»: الذي يشهد حالة من الزخم حول الأحداث والقضايا، وتتصدر فيه وسائل الإعلام المشهد الحياتي بكل تفاصيله؛ ويتابع الجمهور الأحداث لحظة بلحظة ويتأثر بمحتواها، وتتغير حالته المزاجية حسب ما يتابعه ويشاهده، ووفق ما تلوكه الألسنة ويدور الحديث حوله عبر المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي تأتي «الطاقة الإيجابية» والتركيز على الجانب المضئ والنصف الممتلئ من الكوب كأحد أبرز عوامل نشر الخير، وتحسين الأوضاع، ومغالبة الواقع المظلم حتى يشع ضوء الرفاهية والرخاء.
إن التركيز على «الجانب المضئ» لم يعد ترفًا في ظل الصراعات النفسية، والتحولات الاجتماعية، والضغوطات الحياتية التي حاقت بالجميع، وطافت بين أرجاء المجتمع، وتركت تأثيرًا سلبيًا ينخر في عظام المجتمع، ويحول أدوات البناء إلى معاول الهدم، ويبث في نفوس البشر روح الانهزام والاتكالية، والتهرب من المسؤولية، وهذا خطر داهم يُعطل الطاقات، ويهدر القدرات، ولا يحرك ساكنًا كأننا في عداد الأموات.
وهذه النظرة السلبية قد تحول الواقع من سئ إلى أسوأ، وتجعل حياة الإنسان بلا طعم ولا رائحة، وربما تجعل البعض يفقد الرغبة في الحياة التي يراها مظلمة لا ضوء ينيرها، ولا سماء خير تظلها، ولا سبيل نجاح يتوهج فيه بريقها.
ومن الحقائق التي لابد وأن يضعها المرء في الحسبان أن «السخط الاجتماعي» و«النفور من الواقع» لن يغير من الأمر شيئًا، بل قد يحول الواقع إلى جانب مظلم تنتشر فيه غيومات الحُزن وضبابية المستقبل.
ورغم أهمية «الطاقة الإيجابية» ودورها في تحسين الواقع المعايش فإن الأمر يتطلب تسليط الضوء على الجوانب السلبية ورصد مشكلات الواقع وطرح الحلول الناجزة لها حتى يكون الإعلام مرآة صادقة تضع الأمور في نصابها الصحيح، وتشحذ الهمم نحو التغيير إلى الأفضل، والسعي نحو تحقيق الآمال والطموحات التي تتطلب جهودًا جبارة، وطاقات بِّناءة حتى يتحقق لها المراد.
ومن المستهجن أن يقوم الإعلام بتسليط الضوء على أوجه القصور، وتضخيمها، رغبةً منه في حصد المشاهدات المكثفة، والتفاعلات المستمرة دون وعي بمسؤوليته الاجتماعية والمهنية والأخلاقية، ويتغافل الجوانب المضيئة التي تبعث في النفس الأمل في غد مشرق ومستقبل واعد، وهي جوانب لا يعدمها مجتمع من المجتمعات، ولا يخلو منها وطن من الأوطان، وإن تفاوتت درجتها واختلفت باختلاف الأمكنة والأزمنة.
إن تركيز الوسائل الرقمية والشبكات الاجتماعية على الجوانب المضيئة مدعاة لانتشار الطاقة الإيجابية التي نحتاج إليها حتى نخرج من عُنق الزجاجة، ونحول الألم إلى أمل، والتكاسل والإحباط إلى طاقة إنتاج وعمل، ونضمد آلام جرح قد اندمل.
على الإعلام أن يكون أداة فاعلة في الأخذ بأيدى المحبطين والمقهورين إلى الأمام، وأن يكون شُعلة مُضيئة تُسهم في تحقيق الآمال والطموحات العظام، وبلوغ المراد والمرام حتى نلقى الله على خير ما يُرام، ونرافق الحبيب المصطفى في دار السلام.