الصحراء الشرقية : التنقيب عن الذهب في عالم ” الدهابة” بين الثراء و الموت
كتبت: وفاء رجب
الصحراء الشرقية: التنقيب عن الذهب في عالم «الدّهابة» بين الثراء والموت
تُمثل الصحراء الشرقية في مصر خزانًا جيولوجيًا وتاريخيًا هائلًا، حيث تتقاطع فيها طموحات الثراء الفردي مع مقتضيات الأمن القومي، ففي قلب هذه الجغرافيا الوعرة، يمتد كنز مرصود يضم أكثر من 270 موقعًا معروفًا للذهب، بعضها استنزفه الفراعنة قديمًا، والبعض الآخر تحول اليوم إلى ساحات لـ «حُمى الذهب» الحديثة، حيث التحول من التنقيب الأثري التقليدي إلى هذا النشاط العشوائي المحموم جعل من جبال البحر الأحمر مسرحًا لـ «فتنة» تخطت مجرد البحث عن المعدن النفيس إلى تهديد مباشر للأمن القومي والبيئة المصرية.
وتكشف الخرائط الجيولوجية والواقع الميداني عن خارطة نفوذ تعديني تتركز في مواقع استراتيجية مثل منجم «السكري» الأضخم، ومنجم «إيقات» الواعد بجنوب أسوان، بجانب مناطق حمش، والفواخير، والبرامية، وأم الروس، وحفافيت، هذا الانتشار الواسع لم يكن مجرد أرقام في سجلات هيئة الثروة المعدنية، بل أصبح مغناطيسًا جذب الكثير من المغامرين الذين قرروا التوغل في الوديان السحيقة، لتدور رَحى حرب خفية بين الحلم المادي والمجهول الصحراوي القاتل.
الدهابة: «الثراء السريع» ومخاطر «الموت المدفون»
تستغرق رحلة التنقيب عن الذهب في الصحاري المصرية أسابيع في أحضان الجبال، وتعتمد على شبكات معقدة وآليات عشوائية شديدة الخطورة، فخلف بريق المعدن الأصفر، تكمن مأساة إنسانية يغذيها ضيق سُبل العيش؛ حيث تدفع البطالة بمئات الشباب نحو المقامرة بحياتهم في وديان معزولة، يُعرف هؤلاء بـ «الدهابة»، وهم فئة لا يحركها الطمع فحسب، بل إدمان نفسي يصفه المنقبون أنفسهم بأن الجبل يجعل الإنسان مدمنًا؛ فحتى لو خسر مرة أو اثنتين، يظل مقتنعًا أن المرة القادمة ستكون مختلفة، هذا الوهم هو ما يدفع الشاب لبيع كل ما يملك لينفق على رحلة قد تنتهي به جثة هامدة تحت أنقاض نفق منهار، أو تائهًا ينهشه العطش كما حدث في فاجعة جبال العلاقي بأسوان في أبريل 2025، حين قضى خمسة منقبين عطشًا بعدما ضلوا طريقهم.
إن كلفة الذهب البشرية باهظة ولا تقتصر على الحوادث الكبرى؛ فالحياة اليومية في الجبل هي مواجهة مستمرة مع الموت، يعيش هؤلاء في خيام مهترئة، ويواجهون انهيارات الأنفاق البدائية التي تُحفر دون أدنى معايير السلامة، فضلاً عن لدغات العقارب والثعابين في مناطق تفتقر لأبسط الإسعافات، والأنكى من ذلك هو التدهور الصحي الصامت؛ حيث يضطر العمال لغسل أيديهم الملوثة بالكيماويات في جراكن المياه نفسها التي يشربون منها، مما يجعلهم عرضة للتسمم الكيميائي والأمراض الجلدية، في واقع يثبت أن الذهب قد يكون لعنة تسبق بريقه، مما يقودنا لتحليل الميكانيكا البدائية التي تُدار بها هذه العمليات.
عمليات التنقيب: من أجهزة الكشف إلى «خلاطات الموت»
تعتمد عمليات التنقيب العشوائي على تكنولوجيا هجين تجمع بين الأجهزة المهربة والوسائل البدائية المدمرة للبيئة، تبدأ الدورة باستخدام أجهزة كشف معادن تُهرب عبر الحدود، تليها مطارق هدم وحفارات ثقيلة تمزق سكون الجبال وتدمر التكوينات الجيولوجية الفريدة، لكن المرحلة الأكثر سوداوية تكمن في خلاطات الموت أو الطواحين البدائية المتنقلة؛ حيث تُطحن الصخور لساعات طويلة حتى تتحول لمسحوق ناعم، ثم تبدأ عملية الاستخلاص الكيميائي.
وفي هذه المرحلة، يُستخدم الزئبق وسيانيد الصوديوم لفصل الذهب عن عروق الكوارتز دون أي إجراءات وقائية، هذه المواد شديدة السمية تُستخدم في العراء، مما يؤدي لتبخر الزئبق في الهواء وتسربه لأجساد المنقبين، وتؤكد الشهادات الميدانية أن بعض العمال باتوا «يسعلون دمًا» نتيجة استنشاق هذه الأبخرة السامة، فضلاً عن احتراق جلودهم وفقدان بعضهم لأطرافهم أثناء تشغيل الطواحين اليدوية، إن هذا الاستنزاف التقني ليس مجرد جهد فردي، بل هو حلقة في سلسلة تديرها شبكات نفوذ معقدة تعمل في الظل.
اقتصاديات الظل: الشبكات السرية وصراعات النفوذ
لا يعد التنقيب العشوائي نشاطًا عفويًا، بل هو اقتصاد موازٍ تقوده شبكات تمويل عابرة للحدود، يبدأ «هرم المستفيدين» بممولين يوفرون المعدات والمؤن، ثم السائقين خبراء الدروب الذين يتحركون ليلًا بلا إضاءة لتجنب الرصد، وصولاً لورش صهر سرية تحول الخام إلى سبائك غير مدموغة تُهرب للخارج أو تُباع في السوق السوداء.
ويؤكد الجيولوجي واستشاري التعدين المصري، الدكتور كرم الشيمي، أن الأحداث والنزاعات الساخنة في مناطق البحث عن الذهب بالقرب من الحدود ترجع إلى غياب تنظيم صناعة التعدين، مما سمح بتسلل آلاف الشباب العاطلين يقودهم ممولون يوفرون معدات بسيطة دون غطاء قانوني أو سُبل حماية، مما حرم الخزينة العامة من العوائد وأصبح يهدد الأمن القومي.
وأضاف الشيمي أن غياب الجهات الناظمة للتنقيب جنوب جبال البحر الأحمر وشلاتين وشرق أسوان مع ارتفاع أسعار الذهب شجع العديد من الوافدين على التسلل للاستفادة من خبراتهم.
الاغتيال الصامت للبيئة: تلوث الموارد وتدمير المحميات
يخلف التنقيب العشوائي دمارًا بيئيًا لا يمكن إصلاحه، حيث تتعرض محميات طبيعية مثل «جبل علبة» و«وادي الجمال» لاعتداءات وحشية باستخدام اللوادر والمواد الكيميائية، إن تسرب الزئبق والسيانيد إلى باطن الأرض يمثل تهديدًا مباشرًا للمياه الجوفية وسلاسل الغذاء البرية، وصولًا إلى تدمير غابات المانجروف الساحلية واقتلاع أشجار «السيال» التاريخية، وهذا العبث لا يشوه تضاريس الصحراء فحسب، بل يغير الخواص الطبيعية للموائل البرية، مما يطرح تساؤلات ملحة حول استراتيجية الدولة لمواجهة هذا التحدي المركب.
«الدّهابة» بين القبضة الأمنية والمنظومة التشريعية والمشاريع التنموية
انتقلت الدولة المصرية إلى مرحلة المواجهة الشاملة عبر ثلاثة مسارات (أمنية، تشريعية، وتنموية):
* المسار الأمني: تكثف وزارة الداخلية حملاتها لضبط أجهزة الكشف وملاحقة ورش السبك غير المرخصة، وقد نجحت مؤخرًا في ترحيل نحو 2500 وافد أجنبي عبر معبر «آرقين» البري لتورطهم في نشاطات غير مشروعة، كما حسم القضاء ملف النزاعات الدامية بإصدار أحكام رادعة، كان أبرزها تأييد حكم الإعدام بحق أربعة متهمين في يناير 2026 لإدانتهم في جرائم قتل مرتبطة بالنزاع على مناطق الذهب بأسوان.
* المسار التشريعي: حدد قانون الثروة المعدنية (رقم 145 لسنة 2019) عقوبات صارمة؛ حيث يعاقب المنقب بدون ترخيص بالحبس مدة لا تقل عن سنة وغرامة تصل لـ 5 ملايين جنيه، وتُشدد في حال العودة للحبس سنتين وغرامة لا تقل عن 250 ألف جنيه.
* المسار التنظيمي: أتاحت التعديلات الأخيرة للائحة التنفيذية لمالك الأرض المسجلة حق التنقيب في أرضه بشروط فنية، مع إطلاق «بوابة مصر للتعدين» لتنظيم التراخيص إلكترونيًا، وحظر النشاط تمامًا في المناطق الأثرية والمحميات.
* المسار التنموي: تبرز شركة «شلاتين للثروة المعدنية» ومشروع «المثلث الذهبي» كبدائل تهدف لتقنين وضع «الدهابة» ودمجهم في الاقتصاد الرسمي لتوفير فرص عمل مستقرة تحميهم من مهالك الجبال.
ختامًا: نحو رؤية وطنية لاستغلال «كنوز الصحاري المصرية»
إن معركة الذهب في الصحراء الشرقية هي في جوهرها معركة وعي وعدالة اجتماعية، وإن تحقيق العدالة في توزيع عوائد الثروة المعدنية هو الضمانة الوحيدة لمنع انجراف الشباب نحو ساحات الموت، كما يجب أن يتحول الذهب المصري، الذي ينتج رسميًا نحو 15.5 طنًا سنويًا (أغلبها من منجم السكري)، من مصدر للنزاعات القبلية والتلوث البيئي إلى رافد سيادي للاقتصاد القومي، وإن صيانة هذه الكنوز ليست مجرد خيار اقتصادي، بل هي التزام وطني لحماية حقوق الأجيال القادمة في ثروات وطنهم المصانة بقوة القانون وحكمة التنمية المستدامة.