المرأة مطلوبة لا طالبة… أزمة وعي
بقلم: الأستاذة الدكتورة روحية مصطفى
أستاذ ورئيس قسم الفقه الأسبق، وعضو محكم في اللجنة العلمية الدائمة لترقية الأساتذة بجامعة الأزهر
لم يعد خافيًا على أحد ما يشهده واقعنا المعاصر، لا سيما في عصر السوشيال ميديا، من تحوّلات عميقة طالت صورة المرأة وحدود الحياء في المجتمع، فقد أفرز هذا الفضاء المفتوح أنماطًا من الجرأة لم تكن مألوفة، وتجاوزات لم تعد تُستنكَر كما كانت، حتى أصبح عرض الفتاة نفسها للزواج – تصريحًا أو تلميحًا فجًّا – مشهدًا متكررًا، يُقدَّم أحيانًا بوصفه تحررًا، وأحيانًا على أنه شجاعة أو كسر للتقاليد.
وزاد الأمر تعقيدًا ما تبثّه بعض الأعمال الدرامية، وعلى رأسها الدراما العربية، من رسائل غير مباشرة تُعيد تشكيل الوعي الجمعي؛ حيث تُصوَّر الفتاة المبادِرة، المتجرّدة من الحياء، على أنها النموذج العصري المقبول، بينما يُقدَّم الحياء في ثوب السذاجة أو الضعف، ولا شك أن المتلقي – شاء أم أبى – يتأثر بهذا الخطاب المتكرر، فتتشكل لديه قناعات جديدة، وتُعاد صياغة مفاهيم كانت يومًا من المسلَّمات.وهكذا ينشأ جيلٌ لا يكاد يعرف للحياء موضعًا، ولا يدرك حدوده، ولا يميّز بين الجرأة المحمودة والانفلات الذي يهدم الفطرة، ويُفرغ القيم من مضمونها، ويُخرج المرأة من موضع التكريم إلى موضع الاستهلاك والنظر، ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة قراءة النصوص الشرعية، لا بعينٍ مجتزِئة، ولا بروحٍ منفصلة عن الواقع، بل بفهمٍ يوازن بين ثوابت الشريعة، ومقتضيات الفطرة، ومآلات السلوك؛ حتى لا تُتخذ بعض الرخص أو الخصوصيات الشرعية ذريعةً لتبرير واقعٍ لا يمتّ إلى الهدي النبوي ولا إلى مقاصد الإسلام بصلة.
وفي هذا السياق، كنتُ أتحادث مع ابني عن النساء اللاتي وهبن أنفسهن للنبي ﷺ، وأبيّن له أن هِبة المرأة نفسها لرجلٍ على هذا الوجه خصوصيةٌ للنبي ﷺ لا تتعدّاه، قال تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: 50]. فلفظ ﴿خالصة لك من دون المؤمنين﴾ نصٌّ صريح في الخصوصية، وأن هذا النوع من النكاح لا يُقاس عليه، ولا يُعمَّم حكمه، ولا يُستدل به على جواز هبة المرأة نفسها لغير النبي ﷺ على هذا الوجه ، وقد أجمع أهل العلم على ذلك .
ويجب التنبيه على أن ما ورد من عرض بعض النساء أنفسهن على النبي ﷺ، فإنما كان عرض رغبة في الزواج، لا عقدًا ولا التزامًا، وهو تصرّف وقع في سياقٍ مخصوص، ومجتمعٍ محفوظ القيم، معروف المقاصد، لا يُقاس عليه من كل وجه، ولا يُنزَّل على كل زمانٍ ومكان.
وفي هذا السياق، رُوي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول: «أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم؟» حتى أنزل الله تعالى قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: 51]، فقالت – تعني رسول الله صلى الله عليه وسلم –: «إن ربك ليسارع في هواك»، رواه ابن ماجة بإسناد صحيح (رقم 1693). وقد توقّف أهل العلم عند هذا التعبير، فقالوا: إن الأليق في ظاهر اللفظ أن يُقال: إن ربك ليسارع في رضاك، إذ إن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، غير أن هذا الأسلوب إنما صدر من أم المؤمنين رضي الله عنها وعن أبيها بدافع الغيرة الفطرية التي جُبلت عليها النساء، وهي غيرةٌ معفوٌّ عنها لا تُؤاخَذ، ولا تُنقِص من قدر قائلها ولا من مكانتها، بل تزيد النص دلالةً على حضور المعاني الإنسانية في الفهم، مع بقاء مقام النبوة محفوظًا، وحيز التشريع منزهًا عن الهوى.
ويُستفاد من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها أن الشريعة – مع تقريرها لخصوصية النبي ﷺ في بعض الأحكام – لم تُلغِ مقتضيات الحياء والفطرة، بل ظلّت هذه المعاني حاضرة في فهم الصحابة وتعاطيهم مع النص، حتى عبّرت أم المؤمنين عن استغرابها وإنكارها من جهة الحياء، لا من جهة الحكم ، وهذا يؤكد أن ما ورد من هبة المرأة نفسها إنما هو حكمٌ استثنائيٌّ خاصٌّ برسول الله ﷺ، لا يُنزَّل على واقع الناس، ولا يُتخذ ذريعة لإخراج المرأة من موضع الطلب والتكريم إلى موضع السعي والمبادرة تُنقِص من قدرها بلا شك .
ومع ذلك فقد فرّق الفقهاء بين هبة المرأة نفسها – وهي خصوصية نبوية – وبين جواز أن تُعرِض المرأة نفسها على الرجل الصالح بقصد النكاح، على وجهٍ لا يخلّ بالحياء ولا يفتح باب الريبة، ولا خلاف بين أهل العلم في جواز عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح، وقد بَوَّب الإمام البخاري لذلك بابًا صريحًا، واستدل بأحاديث صحيحة تدل على أن هذا الفعل كان معروفًا ومفهومًا في عصر النبوة وخير القرون، حيث صفاء القلوب، ووضوح المقاصد، وعلوّ الأخلاق، وأمانة الرجال، وحضور المجتمع الضابط للسلوك والتصرفات ، فقد ورد في الصحيحين : ” جاءت امرأةٌ إلى رسولِ الله ﷺ فعرضتْ نفسها عليه، فقامَتْ طويلًا، فقال رجلٌ من الصحابة: يا رسولَ الله، إن لم يكن لك بها حاجة فزوِّجنيها. فقال ﷺ: «هل عندك من شيء؟» قال: لا. قال: «التمس ولو خاتمًا من حديد»، فلم يجد، فقال ﷺ: «هل معك من القرآن شيء؟» قال: نعم. فقال ﷺ: «قد زوَّجتُكها بما معك من القرآن».متفق عليه .
غير أن الأحكام وإن ثبت أصلها، فإن تنزيلها على الواقع يختلف باختلاف الزمان والأحوال، فما كان يُفهم في ذلك العصر على أنه طلب عفاف وزواج، قد يُساء فهمه في زماننا هذا، بعد أن شاعت صور الخداع، وتغيّرت المعايير، وضعفت المروءة، واختلطت الدوافع، حتى صار طلب المرأة – في كثير من البيئات – يُؤوَّل على غير مقصوده، ويُحمَل على قلة حياء أو ضعف تربية، لا على قصد شرعي أو رغبة فطرية سوية.
وفضلًا عن ذلك، فإن الوقوف على حقيقة الرجل الصالح اليوم ليس بالأمر الهيّن؛ إذ قد تُخدع المرأة بالمظهر الحسن، أو الكلام المعسول، أو الصورة المصطنعة، لقلة خبرتها بشؤون الرجال، وتقلب أحوالهم، وما خفي من طبائعهم وأخلاقهم، ومن هنا تتجلّى حكمة الشريعة في إحاطتها المرأة بسياجٍ من الحماية والوقاية، حين اشترطت الولي في عقد النكاح، لا انتقاصًا من أهليتها، بل صيانةً لكرامتها، وحفظًا لمصلحتها، ومشاركةً لها في حسن الاختيار.
فإذا رغبت المرأة في رجلٍ لِما ظهر لها من دينه وخُلُقه، فإن الطريق الأليق والأحكم أن يكون ذلك بالتعريض لا بالتصريح، وبالتلميح لا بالمواجهة، عن طريق قريبٍ ناصح، أو أخٍ أمين، أو صديقٍ موثوق، بما يحقق المقصود من غير أن يضع المرأة في موضع قد يُساء فهمه أو يُنقص من قيمتها.
وذكرتُ لابني شواهد من السيرة، وأحاديث ثابتة في الصحيحين، ثم قلت: إن كبار أهل العلم – كابن حجر العسقلاني – قرروا أنه لم يثبت أن النبي ﷺ تزوّج بواحدةٍ ممن وهبن أنفسهن له، وهذا – في نظري – دالٌّ على أصلٍ رفيع: أن المرأة هي التي تُطلب للزواج، لا التي تطلبه.
فقال لي قولًا أوقفني طويلًا عند معناه، وكأني أعيه لأول مرة على هذا النحو:
قال : إن إعراض النبي ﷺ عن الزواج بتلك المرأة – وقد عُرض الأمر على مرأى من الصحابة – لم يكن إهمالًا لشأنها، بل كان أرقى صور الرعاية لها؛ إذ إن سكوته ﷺ فتح بابًا كريمًا لأحد الصحابة أن يتقدّم إليها خاطبًا، فتُؤخذ من موضع الطلب والتكريم، لا من موضع المبادرة والحرج، وفي هذا الفعل النبوي مراعاة دقيقة للفطرة الإنسانية في الرجل والمرأة معًا؛ فالرجل في الغالب هو الطالب، والمرأة هي المطلوبة.
ثم زاد المسألة بياناً فقال : ولو نظرنا إلى سنن الله في الخلق، لوجدنا المعنى نفسه مكتوبًا بلغةٍ كونيةٍ صامتة، ففي دورة الحمل، تُطلق المرأة بويضةً واحدة، ثم تنطلق إليها ملايين الحيوانات المنوية، تتسابق، تتدافع، ولا يفوز منها إلا واحد، هو الأقوى والأقدر، هي لا تذهب إليهم، بل هم الذين يُشدّون إليها شدًّا، ويسعون حتى ينال أحدهم شرف الوصول.
وبعد هذا الحوار الراقي يتبين لنا أن الفطرة السليمة تسير في انسجامٍ تام مع هدي الشريعة؛ فالرجل هو الذي يسعى ويطلب، والمرأة هي التي تُطلَب وتُكرَّم، لا لأن المرأة أقلّ قدرة، بل لأنها أعلى قدرًا، فجُعل الطلب إليها تكريمًا لها، لا انتقاصًا من شأنها.