رُبَّمَا الحِلم الذي نَراه مُتأخِرًا يَنضُج في صمتْ
بقلم: دكتور إسلام عبدالعليم
باحث بجامعة الأزهر فى اللغة العربية والدراسات الإسلامية
هناك شاب على الاقل فى كل بيت يحمل حلمًا مؤجلًا؛ وظيفة ينتظرها، مشروعًا يرجو تنفيذه، زواجًا مؤجلًا حتى تتحسن الظروف، أو دراسة يحاول استكمالها رغم ضغوط الحياة، فتراهم يبتسمون كثيرًا أمام أُسرهم وأصدقائهم، بينما يخفون في داخلهم قلقًا متزايدًا من مرور العمر دون أن يقتربوا خطوة واحدة من أحلامهم.
ولعلنا نقف على قصة واحد منهم ففي إحدى القرى المصرية، تخرّج شاب في كلية التجارة، وظل سنوات يبحث عن عمل مناسب، لكن لظروف الأسرة وتحت ضغط الحياة أصبح يعمل في مهنة بعيدة عن تخصصه، ثم بدأ يتعلم مهارة جديدة عبر الإنترنت ليلًا، على أمل أن يحصل يومًا على فرصة أفضل، لم يكن هذا الشاب فاقدًا للطموح، لكنه كان يحاول أن يبقى واقفًا وسط ظروف تدفعه إلى الاستسلام والرضا بما هو عليه.
وفي مدينة عربية أخرى، آجلت شابة حلمها في تأسيس مشروع صغير لصناعة المنتجات اليدوية؛ فكلما ادخرت مبلغًا بدأت متطلبات الأسرة أو تكاليف الحياة في استهلاكه، ومع ذلك لم تتخلَّ عن حلمها بل بدأت من نطاق محدود، تبيع منتجاتها إلى معارفها، وتتعلم تدريجيًا كيف تطور عملها، قد تبدو خطواتها بطيئة، لكنها تظل خطوات إلى الأمام.
تؤكد هذه النماذج أن تأجيل الأحلام لا يكون دائمًا نتيجة للكسل أو ضعف الطموح فالشباب في مصر والوطن العربي يواجهون ضغوطًا متشابكة، من بينها صعوبة الحصول على عمل مناسب، وارتفاع تكاليف المعيشة، ومتطلبات الزواج، ومسؤوليات الأسرة، وقد يضطر الشاب إلى تأجيل هدفه لا لأنه لا يريده، بل لأنه يحاول أولًا أن يؤمّن الحد الأدنى من الاستقرار.
وقد جاء التوجيه الديني داعمًا للسعي والصبر، لا مستسلمًا لليأس؛ يقول الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ [النجم: 39-40]. فالإنسان لا يُحاسب على النتائج وحدها، وإنما يُقدَّر سعيه واجتهاده وإخلاصه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز» [رواه مسلم]. وفي هذا الحديث دعوة واضحة إلى العمل، والاستعانة بالله، وعدم الاستسلام للعجز والإحباط.
المشكلة أن المجتمع ينظر كثيرًا إلى النتائج دون أن يرى الطريق الشاق المؤدي إليها، يُسأل الشاب: متى ستتزوج؟ ومتى ستجد عملًا؟ ومتى تبدأ مشروعك؟ لكنه نادرًا ما يُسأل عن حجم ما يحمله من خوف وضغط، ومع تكرار المقارنات، يتحول الحوار من دعم إلى عبء إضافي يضعف ثقته بنفسه.
ليس عيبًا أن يتأخر الحلم قليلًا؛ فالطرق إلى النجاح ليست واحدة، والظروف لا تتشابه بين الناس، المهم ألا يتحول التأجيل إلى استسلام، يحتاج الشباب إلى كلمة تشجيع، وأسرة تسمعهم دون إدانة، ومجتمع يوفر فرصًا حقيقية للتدريب والعمل، فربما كان الحلم الذي نراه متأخرًا ينضج في صمت، وينتظر فقط فرصة صادقة ليخرج إلى النور.