«البودكاست الدعوي» نحو منصات رقمية رائدة
بقلم: الدكتور سامح عبدالغني
وكيل كلية الإعلام بنين جامعة الأزهر
أدى التوجه نحو البيئة الرقمية إلى ظهور العديد من التقنيات الاتصالية والقوالب الفنية كتقنية البث المباشر وتقنية الواقع الافتراضي، وتقنية الواقع المعزز، والهولوجرام، والبودكاست؛ وغيرها من التقنيات الاتصالية والقوالب الفنية التي أصبحت من أبرز ملامح البيئة الرقمية التي شهدت تحولات جذرية في أبعاد ومظاهر وتأثيرات العملية الاتصالية.
ومن بين أبرز القوالب والأشكال الاتصالية الرقمية «البودكاست» الذي انتشر عبر المواقع والمنصات الرقمية من خلال تقديم برامج صوتية إذاعية تعتمد على وسائط رقمية وتمزج بين المدونات الشخصية والبث الإذاعي، والصوت الرقمي، وتعتمد على جودة الإنتاج، وكثافة المشاركة والتفاعل، والترويج للمحتوى للوصول لشرائح متعددة من الجمهور الرقمي.
ويعد «البودكاست» أحد مظاهر التقنيات الاتصالية الحديثة التي لا تتقيد بالقوالب الفنية والأساليب التحريرية التقليدية، ولكنها تحاكي متطلبات وخصائص الجمهور الرقمي، وتتماشى مع سمات وخصائص البيئة الرقمية، وتعتمد على التشويق والإبداع، وتنوع القوالب والأشكال الفنية بما يُحقق للمحتوى الجاذبية والحيوية، وتوظيف أبرز التقنيات الاتصالية والمستحدثات التقنية لجذب اهتمامات المتلقي، ومراعاة تفضيلات الشريحة الأكبر من الجمهور التي تستغرق في الواقع الافتراضي.
ومن نافلة القول أن «الاتصال الدعوي» لم يعد بمعزل عن هذه التطورات التقنية؛ حيث اتجهت المؤسسات الدينية الرسمية إلى المنصات الرقمية لنشر الدعوة الإسلامية وقيم الوسطية، وتنمية مدركات الجمهور الدينية عبر وسائط تفاعلية ومضامين دعوية عصرية، وتقنيات تكنولوجية.
ومن أبرز التحولات الدعوية التى تواكب التطورات التقنية و الاتصالية التوجه نحو التقنيات الحديثة التي تتيح طرحا واقعياً للقضايا الدينية بالاعتماد على التقنية الرقمية والوسائط المتعددة، والأشكال والقوالب الفنية التي تناسب خصائص الجمهور الرقمي، وتحدث تفاعلاً كبيراً مع هذه المحتوى.
ويأتي على رأس هذه التحولات «البودكاست الدعوي» الذي يؤكد على عدم انفصال الدعوة عن الواقع المعاصر وأدواته الرقمية، ومستحدثاته التكنولوجية، واستشعار المؤسسات الدينية أهمية مواكبة التقنيات التكنولوجية والتطورات الاتصالية حتى تحدث الأثر المرغوب في الجمهور، وتسهم في تشكيل الوعي الديني الصحيح في ظل بيئة رقمية تشهد حالة من الاضطراب الدعوي يتنازع فيها المؤسسات والأفراد للاستئثار بالجمهور وتشكيل قيمه ومعتقداته.
وقد اخترقت المؤسسات الدينية الرسمية هذا الواقع، ولامست هذا التطور عندما ظهر على منصاتها الرقمية «البودكاست الدعوي» الذي أصبح ركنا أساسيا من أركان المحتوى الدعوي الرقمي الذي يتم طرحه على الجمهور ليشكل قناعاته الفكرية ومرتكزاته الدينية.
ويعتمد «البودكاست الدعوي» على تقديم محتوى صوتي أو مرئي يعالج القضايا الدينية عبر شبكة الإنترنت، ويتيح للمستخدمين متابعته والتفاعل معه، وتحميله والاستماع إليه في الوقت الذي يناسبه، وله تأثير كبير في ترسيخ الهوية الدينية والقيم الأخلاقية والإنسانية لدى الجمهور.
ومن العوامل المؤثرة في اعتماد الجمهور على «البودكاست الدعوي» كونه وسيلة إعلامية رقمية مناسبة لتحصيل المعرفة الدينية تتسم بالمرونة وسهولة الوصول إليه من خلال أساليب حوارية وتفسيرية تدعم التفكير النقدي وبناء الوعي الديني الرشيد.
وهناك عدة أسباب لاتجاه المنصات الرقمية المؤسسات الدينية الرسمية نحو توظيف «البودكاست» في العمل الدعوي الرقمي بجانب الأشكال والقوالب الفنية الدعوية الأخرى.
ومن أبرز هذه الأسباب:
١- تغير طبيعة الجمهور الدعوي، فالجمهور الذي يتابع المحتوى الديني عبر برامج الراديو وبرامج التلفزيون والصحف والمجلات كان يتصف بالتلقي السلبي تجاه المحتوى الديني، على خلاف الجمهور الرقمي الذي يتسم بالحركة والتفاعل مع المضامين الدعوية المرئية التي تحقق نسب مشاهدات أعلى، وتعتمد على عناصر الجذب والإبهار، والإبداع، والإيجاز، والتنوع في المحتوى.
٢-الاعتماد على وسائل الإعلام الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي التي تتطلب أساليب مستحدثة في نشر المحتوى الدعوي، وعدم الاقتصار على الخطب العصماء، والمحتوى الديني الضخم، والنصوص الطويلة، والندوات الدينية ودروس الوعظ والإرشاد الديني.
٣-قدرة هذه التقنية على توظيف عناصر الجذب السمعية والبصرية في إنتاج المحتوى الدعوي، والاعتماد على الوسائط المتعددة في إنتاج المحتوى الدعوي، ونشره عبر قوالب وأشكال إعلامية متطورة.
٤- التكلفة المعقولة التي تتطلبها هذه التقنية، على خلاف الأشكال والأساليب الدعوية الأخرى التي تتطلب تكاليف باهظة وإمكانات مادية وبشرية فائقة.
٥- الاستفادة من الإمكانات التقنية والاتصالية التي أفرزتها شبكة الإنترنت في إنتاج محتوى دعوي جذاب يمتلك القدرة على التأثير في الجمهور الرقمي الذي يستغرق جل أوقاته عبر البيئة الافتراضية، ويحتاج إلى المحتويات الدعوية الرقمية التي تعد رافداً من روافد تشكيل الوعي الديني المستنير.
إن توجه المنصات الرقمية نحو الاعتماد على البودكاست في إنتاج المحتوى الدعوي لهو دلالة بالغة على أهمية البلاغ عن الله والدعوة إلى منهاجه بلغة العصر وأدواته وتقنياته حتى تبلغ الدعوة الآفاق، ويبزغ نور الحق في سائر الأمصار، وتنتشر قيم الأخوة والعدل، والمساواة بين بني البشر لكي تتحقق المحبة والوئام، ويعم الكون أرجاء السلام.